محمد أبو زهرة

1719

زهرة التفاسير

مقتضيا أن يصدقوا بالرسائل الإلهية التي نزلت بين ربوعهم وفي أوساطهم ، فمن العرب وهم من آل إبراهيم من أشرك بالله وعبد الأوثان ، مع أن النبي صلى الله عليه وسلم ، وهو من آل إبراهيم بعث فيهم رحمة للعالمين ، وأنتم معشر اليهود كفرتم وكذبتم الرسل من آل إبراهيم وقتلتم بعضهم ، ولم ينفعكم أنكم من ذرية إسحاق بن إبراهيم ، فلا عبرة بالأنساب ، إنما العبرة بالاستجابة للحق ، والإيمان به والإذعان لحقائقه . وهنا بحثان لفظيان : أحدهما - أن ( صد ) تستعمل لازمة متعدية ، وإذا كانت لازمة فمصدرها الصدود ومعناه الإعراض ، وإن كانت متعدية فمصدرها الصد ، ومن ذلك قوله تعالى : . . . وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ . . . ( 38 ) [ العنكبوت ] والنص هنا معناه الإعراض عن الهداية التي جاءت إليهم ، فهو من اللازم . والثاني : قوله تعالى : وَكَفى بِجَهَنَّمَ سَعِيراً لم يذكر فيها من كانت جهنم كفاية لهم ، وهو مفهوم من فحوى الكلام ، والمعنى كفاهم أن تكون جهنم بسعيرها ولهيبها مصيرا لهم . وإن هذا مصير كل كافر سواء أكان من اليهود أم كان من غيرهم ، ولذا قال سبحانه وتعالى : إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِنا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ ناراً الصلى معناه إيقاد النار ، وصلى وقع في النار ، وأصليناهم نارا : ابتليناهم وعذبناهم بنار ، فالتمييز هنا فيه تأكيد لمعنى العذاب بالنار والإيقاع فيها ، وإن هذا العذاب الشديد الذي يستقبلهم يوم القيامة يستحقه الكافرون بسبب كفرهم ، من غير تفرقة بين ذرية إسحاق وإسماعيل وغيرهم ، ولذلك عبر بالموصول ؛ إذ التعبير بالموصول يشعر بأن الصلة سبب الحكم ، فهؤلاء حكم عليهم بالعذاب ؛ لأنهم كفروا ، ومتى تحقق السبب تحقق الحكم بلا فرق بين قبيل وقبيل ، وأن عذاب الكفار دائم ، وآلامه مستمرة ، وقد أكد وجود العذاب بقوله سبحانه : سَوْفَ نُصْلِيهِمْ ناراً فسوف هنا كما قال سيبويه